سياسةنقد أديان

بين قانون الحريات وعقوبة الازدراء، تحسس كلماتك

الكاتب: محمد أبو شرف

يُقدر عدد الملحدين والخارجين عن الإسلام في مصر نحو 4 إلى 6 مليون نسمة وفق دراسات وتقارير مُقتضبة نظراً لأن الكثير ممن يترك الإسلام يخشى الجهر بمعتقده خوفاً من الملاحقة القضائية أو القتل في بلد يعد من أكثر بلاد العالم تديناً حسب دراسة لمؤسسة غالوب [1]، وبَين استطلاع لمركز بيو Peo للأبحاث أن 63% من المصريين يؤيدون عقوبة الإعدام لكل من يترك الدين الإسلامي [2]، حيث يُمارس الإرهاب المعنوي والمادي من جهة المجتمع من نبذ وقتل، والشرعي من جهة السلطات حيث قانون (ازدراء الأديان) في مصر والدول العربية بمثابة سيف مُسلط على رقاب كل من يعبر عن نفسه خارج إطار الدين والشريعة.

عقب ثورة 25 يناير 2011 ازدادت قضايا ازدراء الأديان في المحاكم القضائية المصرية بوتيرة سريعة نتيجة للزخم الذي أحدثته الثورة فيما يخص حرية التعبير، حيث تخطى مفهوم الثورة سياقه السياسي فظهرت أقلية الملحدين أو ال Ex-Muslims من رحم الثورة آملين في تحقيق مطالبهم وحقوقهم في التعبير والظهور إلى العلانية دون ملاحقة قضائية والمطالبة بقانون مدني للأحوال الشخصية (الزواج المدني، حذف خانة الديانة). إلا أن الوضع بات مأساوياً كما كان قبل الثورة على الصعيد السياسي والانساني وسرعان ما خفت بريق الثورة وسقطت أهدافها (عيش، حرية، عدالة اجتماعية) وأصبح هناك مطلب وحيد، البقاء في البيت آمناً!

وثقت المنظمة الحقوقية “المبادرة المصرية للحقوق الشخصية” عدد المحاكمات القضائية التي تتعلق بتهمة ازدراء الأديان عقب ثورة 25 يناير 2011 وحتى سنة 2013 بـ 63 قضية، بمعدل 21 قضية سنوياً. وازدادت إلى 30 قضية في 2016 فقط.

ينص الدستور المصري في المادة 98 فقرة 2 من قانون العقوبات على:

“يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر ولا تتجاوز 5 سنوات أو بغرامة لا تقل عن 500 جنيه ولا تتجاوز 1000 جنيه لكل من استغل الدين فى الترويج أو التحبيذ بالقول أو الكتابة أو بأية وسيلة أخرى لأفكار متطرفة، بقصد إثارة الفتنة أو ازدراء أحد الأديان السماوية أو الطوائف المنتمية إليها أو الإضرار بالوحدة الوطنية.” مادة 98 فقرة 2

 

يصف الحقوقيون مادة ازدراء الأديان بالمادة (المطاطية) نظراً لما تحتويه من معاني فضفاضة (استغل، الترويج، أفكار متطرفة، إثارة الفتنة، ازدراء، إضرار بالوحدة الوطنية). وهو ما يعطي مساحة للجهات الأمنية والقضائية بتأويل النص الدستوري بناءً على تلك المفردات، واستهداف أي صاحب رأى على نطاق واسع خاصة مع تدخل القناعات الشخصية الدينية لدى الجهات المنوط بها التحقيق والبت في تلك القضايا في ظل مناخ سائد يتسم بالتشدد والتعصب الديني.

كما أن هناك تناقض وتعارض واضح بين المادتين 64 و 65 في قانون الحريات حيث تكفلان حرية الاعتقاد والفكر والرأي والتعبير، وبين مادة 98 في قانون العقوبات والتي تتعلق بعقوبة ازدراء الأديان التي قد تصل إلى السجن 5 سنوات.

“حرية الاعتقاد مطلقة. وحرية ممارسة الشعائر الدينية وإقامة دور العبادة لأصحاب الأديان السماوية، حق ينظمه القانون.” مادة 64

 

“حرية الفكر والرأى مكفولة. ولكل إنسان حق التعبير عن رأيه بالقول، أو بالكتابة، أو بالتصوير، أو غير ذلك من وسائل التعبير والنشر.” مادة 65

 

إذن حرية الاعتقاد مكفولة وفقاً للمادة 64، وهذا يشمل بطبيعة الحال تغيير الدين، الإلحاد عن الدين، وعليه فإن لك الحق في التعبير عن معتقدك بالقول أو بالكتابة أو بالتصوير وفقاً للمادة 65. ولكن في المادة 98 تصبح فجأة محل الاتهام والملاحقة بذريعة أن أفكارك متطرفة وتهدد الوحدة الوطنية!

أصبح ازدراء الأديان جريمة يعاقب عليها القانون، بعد أن قدمت الحكومة مقترحاً للبرلمان في نهاية عام ١٩٨١، عقب عنف طائفي دموي، في حي الزاوية الحمراء في القاهرة، في يونيو ١٩٨١ قُتل فيه عشرات الأقباط. وبرغم الظروف التي أحاطت بذلك المقترح إلا أن القضية لها أبعاد أخطر بكثير وهو ما يكمن في الشريعة الإسلامية التي يتبناها الدستور المصري ومؤسسة الأزهر كمصدر رئيسي للتشريع.

“الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسى للتشريع.”مادة 2

 

فالتاريخ الإسلامي يحفل بالكثير من الإرهاب والتكفير والقتل والاضطهاد على مر العصور، كذلك قُتل الحلاج وابن المقفع وغيرهم، وسجن الرازي وضربه حتى تمت اصابته بالعمى، وتكفير واضطهاد الكندي وابن سينا والمعري وابن رشد، واغتيال المفكر المصري فرج فودة من قبل إرهابي ينتمي إلى الجماعة الإسلامية بعد تكفير الأزهر له، وحرق الشيعي المصري حسن شحاته بدم بارد من قبل الأهالي، واغتيال المفكر الأردني ناهض حتر، ومحاولة اغتيال الأديب المصري نجيب محفوظ. فنصوص الشريعة الإسلامية تأمر نصاً وصراحة بقتل كل من يخرج عن الدين أو عن سياقه التشريعي، كذلك هي عقيدة الجماعات الإرهابية المستمدة من تلك النصوص. وحتى تارك الصلاة يقتل حسب ابن تيمية المُلقب بشيخ الإسلام، ناهيك عن قتل واضطهاد المثليين.

جدير بالذكر أن اضطهاد المفكرين والعلماء لم يكن بدعة المجتمعات الإسلامية، كذلك عانت أوروبا في العصور الوسطى قرابة 1000 سنة، نتيجة لسطوة الكنيسة على المجتمع والسياسة والاقتصاد آنذاك، وقيادتها محاكم التفتيش الدينية التي خلقت صراعاً بين الكنيسة والعِلم، باعتباره ضرباً من ضروب السحر والشيطان، وضلوعها في قتل “هيباتيا” بعد اتهامها بممارسة السحر والإلحاد، وسجن “غاليليو غاليلي” بعد محاكمته بتهمة الهرطقة، بعدما صرح بنظريته مركزية الشمس ما أثار حفيظة الكنيسة في اعتبارها لاكتشافه ضد فكرة اللاهوت. قبل تجاوز الغرب لفترة العصور المُظلمة، مروراً بعصر التنوير (عصر النهضة)، وحركة الاصلاح الديني البروتستانتي، الذي شهد تغير جذري في النواحي الدينية والسياسية والاقتصادية.

وفي جدلية السبب والنتيجة، يطرح أوغست كونت الفلسفة (الوضعية) في تصوره عن المراحل الثلاث لتطور المجتمعات: اللاهوت، الغيبيات، الوضعية (العلم)، بافتراض أن التقدم مرهون بالتخلي عن الدين (اللاهوت) مستعيضاً عنه بالعِلم كعِلم الاجتماع لتنظيم هيكل المجتمع وتحديد القيم وسَن القوانين، إلا أن النموذج الغربي والأوروبي المسيحي أثبت نجاحه، رغم أنه لم يتخلى عن الدين، فما تغير هو الكيفية التي يتعاطى فيها الناس مع الدين، ومواكبة التغيرات الجذرية التي أحدثها العلم والاتجاه العلماني كنظام سياسي واجتماعي يقدر قيمة الفرد ويحتضن جميع التوجهات.

فالتاريخ يكرر نفسه وكل إناء ينضح بما فيه. هذا هو الجذر وانعكاسه الذي ألقى بظلاله الوخيمة على المجتمعات الإسلامية فتصدرت ذيل الأمم. ويبقى الأمل يحدو في انتظار مرور العاصفة كمرحلة تاريخية ماحقة لابد لها أن تمر.

 

الكاتب: محمد أبو شرف

Mohamed Abusharaf

المصادر:

بواسطة
Mohamed Abusharaf
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق