فلسفة

الفلسفة المادية Materialism

المادية Materialism نظرة فلسفية ترى أن الشيء الوحيد الذي يمكن القول بوجوده هو المادة : بما أن جميع الأشياء مكونة أساسا من المادة. وتذهب الفلسفة المادية إلى أن المادة أولية والعقل (الوعي) ثانوي. أي أن الوعي نتاج الماده وليس العكس (حسب تصور الفلسفة المثالية).

ولا يمكن فهم تاريخ تطور هذه المدرسة إلا بمقابلتها مع التوجهات التي تقول بكينونات غير مادية متعلقة بعالم العقل كما في توجهات الفلسفة المثالية.

ومن أشكال الفلسفة المادية الميكانيكية من أهم ممثليها لودڤيگ أندرياس فويرباخ ودني ديدرو.

والمادية الديالكتيكية (أو الجدلية)التي أوجدها كارل ماركس وفردريك إنگلز مستفيدين من ديالكتيك گيورگ ڤيلهلم فريدريش هيگل المثالي ومن تنظيرات فيورباخ القائلة بالمذهب الطبيعي الذي كان ذروة التطور في المادية الميكانيكية آنذاك.

واعتمدت المادية في تطورها على المكتشفات العلمية لذالك تجدها أكثر النظريات الفلسفية تمسكا بالعلم.وتهدف إلى سيطرت الإنسان على الطبيعة. وشاركت في تجميع المعارف العلمية المختلفة لتشكل صورة واقعية للعالم المادي.

تاريخ المادية

ظهر الفكر المادي في أحضان الرؤية النيوتنية للكون، وعالم نيوتن عالم محكم مغلق يتسم بالحتمية الميكانيكية. وتفسير العالم ، حسب نيوتن ، يستند إلى ما يلي: آليات الوجود الفيزيائي للذرة (الجزئي) وقوانين الحركة. وانطلاقاً من هذا ، ظهرت الرؤية العلمية المادية التي نادت بأنه لا يمكن الحديث عن تأملات خارج معامل البحث ونتائج التجريب . وقد ظلت هذه الرؤية مسيطرة تماماً حتى نهاية القرن التاسع عشر. ومنذ ذلك، بدأت الضربات توجه إلى هذا النظام المغلق والسببية الصلبة. وأدَّت نظرية الكم (الكوانتام) و لا تحددڤرنر هايزنبرگ ونظرية النسبية إلى إضعاف قيمة الافتراضات المادية مثل: الجبرية والسببية ، و مطلقية كون الفضاء والزمان …إلخ، وقد ظهر أن ثمة وجوداً لا مادياً للطاقة الذرية هو الوجود الموجي. والتعامل مع ظاهرة الضوء أثبت أن الضوء يتصرف في مواضع تجريبية باعتباره مكوناً من جزيئات وحزم ضوئية (فوتونات) ، وأنه في مواضع تجريبية أخرى يتصرف باعتباره مكوناً من موجات (و قد قال أحد علماء الطبيعة متهكماً: في يوم السبت و الاثنين والأربعاء نُعرَّف الضوء بأنه جزئيات ، ثم يصبح موجات بقية الأسبوع). وقد أوصلتنا النتائج التجريبية إلى صيغة رياضية لما هو مادي بحت في المادة ، وما هو في الوقت ذاته فوق مادي في المادة نفسها (وهو ما يُطلق عليه معادلة دي بروجلى). وهذا ما يعني ببساطة أن لكل كيان مادي موجة مصاحبة له ، وأن تلك الموجة تزيد كلما صغرت كتلة ذلك الكيان ، وهى تظهر بوضوح في الأبعاد المجهرية من ذلك العالم ، أي أن اللامادي موجود في قلب المادي.

العصر الحديث

وقد أسقط العلم الحديث تدريجيًّا فكرة السببية الصلبة القديمة ، ولم يعد يطمح إلى معرفة الكون معرفة كاملة كما كان يطمح علماء القرن التاسع عشر. فبعد مئة عام من التجارب العلمية ، اكتشف الإنسان أنه كلما اكتشف وسيطر على شىء ما ظهرت له آلاف الأشياء الجديدة التى لايعرفها ، ولايمكنه السيرطة عليها ، من ذلك تجربتنا مع الذرة ، هذا الشىء الذى يتحرك دون قانون والذى يصعب رصده ، وكلما رصدناه اكتشفنا عناصر جديده فيه تحيرنا، ثم حطمناه لنؤسس الفردوس الأرضى ، وانتهى بنا الأمر إلى أنه قد يدمرنا وكرتنا الأرضية تماماً وها نحن نمسك بكرة اللهب ، أى العادم النووى والأسلحة النووية التى يمكنها تدمير العالم عشرات المرات، وكأننا بروميثيوس أبله سرق النار من الآلهة ولا يعرف ماذا يفعل بها بعد ذلك ، وبدلاً من الاستفادة من النار فإنها تحرق أصابعه. وقد اكتشفنا مؤخراً أيضاً حدود الحاسوب (الكومبيوتر) وأنه لن يأتى لأحد بالخلاص ، بل أننا بدأنا نكتشف مخاطره على عقل الأطفال الذين يستخدمونه وعلى عيون من يقضون سحابة (أو سواد ) يومهم يتطلعون إلى شاشته . ويقال الشيء نفسه بالنسبة إلى الهندسة الوراثية، فكثير من العلماء (من الذين حققوا أكتشافات في هذا المجال ) يقفون ضد إجراء التجارب العلمية خوفاً من عواقبها الوخيمة. قد قال أحدهم : أن الأخطاء في التجارب العلمية في الماضى، كأن يحدث أنفجار أو ما شابخ ، كانت تتم داخل دورة الطبيعه لا تتحدى قوانينها ، ولهاذ يمكن أن تترك بضع سنوات لتقوم العوامل الطبيعيه بإصلاح ما أفسدت يد الإنسان . بل إن التلوث الإشعاعى قد يستمر لمدة 520 ألف سنة، ولكنه مع هذا يظل داخل الزمان ودورة الطبيعة. أما التجارب في الهندسة الوراثية فهى قد تأتى بمخلوقات لا يمكن لدورة الطبيعة أن تتعامل معها، فهى مخلوقات تقع خارج نطاق حلقة التطور الطبيعية.

ولعل اكتشاف الثقوب (الثغرات) السوداء في الكون له دلالة علمية ورمزية في الوقت ذاته. فداخل هذه الثقوب تتحطم قوانين علم الطبيعة والأحياء ويتحطم الزمان والمكان ويتم التهام الضوء ( العنصر الثابت في الطبيعة). والثقوب السوداء يمكننا أن نرى أثرها على ما حولها ، ولكننا لا نعرف كنهها تماماً فهي موجودة و أساسية لا يمكن تفسير الظواهر دونها ، ولكنها مع هذا غير خاضعة للتحكم الإنساني ولا نفهم كنهها تماماً . وقد ظهرت مؤخراً نظرية الفوضى (شواش chaos) وهى ضربة أخرى للعالم المادي المغلق المصمت.

إن السببية الصلبة المطلقة التي لا يزال يتمسك بها بعض علماء الإنسانيات في القرن العشرين ، خصوصاً في عالمنا العربي ، لم يعد لها سند علمي، فهي نتاج علم القرن التاسع عشر ، الذي أكتشف الجميع كبرياءه الساذج وإدعاءه الأجوف بأن ما هو غير معروف سيتم معرفته ، وأنه في خلال ثلاثين عاماً- كما قال أحد العلماء آنذاك –سيعرف الإنسان كل شيء .ولكن الإله ستر وحمى الإنسان من الاختفاء (كما يبشر الفلاسفة الماديون من البنيويين وفلاسفة ما بعد الحداثة).

الماديون الإغريق

لقد كان إنكار پارمنيدس للحركة والتغير بمثابة ثورة على ميتافيزيقية هرقليطس المائعة المزعزعة، وكذلك كانت عقيدة وحدة الكون ثورة عنيفة على عقائد الفيثاغوريين المتأخرين. ذلك أن هؤلاء الفلاسفة قد حولوا نظرية الأعداد التي قال بها كبيرهم إلى المبدأ القائل بأن الأشياء جميعها تتكون من أعداد أي من وحدات غير قابلة للانقسام. ولما أن أضاف فيلولوس الطيبي إلى هذا المبدأ أن “الأشياء جميعها تحدث بالضرورة والتوافق” كان كل شي قد أعد لظهور المذهب الذري أو مذهب الجوهر الفرد في الفلسفة اليونانية.

ففي عام 435 جاء لوقيبوس الملطي إلى إليا وتلقى العلم على زينون. ولعله قد سمع هناك بالذرية العددية التي يقول بها الفيثاغوريون، ذلك أن زينون كان قد وجه بعض متناقضاته الدقيقة إلى عقيدة التعدد. واستقر لوقيبوس آخر الأمر في أبدرا وهي مستعمرة أيونية مزدهرة في تراقية. وقد ضاعت تعاليمه المباشرة فلم يبق منها إلا هتامة صغيرة هي قوله : “لا شي يحدث من غير علة، بل إن الأشياء كلها تحدث لعلة، وبالضرورة”.

ولعل لوقيبوس قد أوجد فكرة الفراغ ليرد بها على أقوال زينون وپارمنيدس، وكان يأمل بهذه الطريقة أن يجعل الحركة مستطاعة من الوجهة النظرية كما هي واقعية من الناحية الحسية. ويقول: إن العالم يحتوي على جواهر فردية وعلى فراغ ولا شي غيرهما، وإن هذه الجواهر التي تتساقط في دوامة كبرى تسقط بالضرورة إلى الصور الأولية للأشياء جميعها، وينضم كل شي إلى مثيله، وبهذه الطريقة وجدت الكواكب والنجوم، والأشياء جميعها بما فيها النفس البشرية مكونة من جواهر فردية(ذرات).

وكان دمقريطس تلميذ لوقيبوس أو زميله في تحويل فلسفة الجوهر الفرد إلى نظرية مادية كاملة. وكان والده من ذوي المكانة الملحوظة والثراء العظيم في أثينا، ويقال إنه ورث منه مائة وزنة من المال (000ر800 ريال أمريكي) أنفق معظمها في الأسفار. وتقول بعض الروايات التي لا نجد ما يؤيدها إنه سافر إلى مصر وبلاد الحبشة وبابل وفارس والهند، ويقول هو نفسه في ذلك : “لقد طفت بين معاصري في أكبر جزء من الأرض للبحث عن أبعد الأشياء، ورأيت أكثر الجواء والأقطار، وسمعت إلى أكبر عدد من المفكرين”. وأقام في بؤوتية الطيبية زمناً يكفي لتشبعه بنظرية فيلولوس في الذرية العددية، ولما فرغت منه نقوده لجأ إلى الفلسفة، واخشوشن في معيشته، ووجه جهوده كلها إلى الدرس والتفكير، وقال : “إن الكشف عن برهان واحد (في الهندسة) خير لي من الحصول على عرش فارس”. وكان على شيء من التواضع لأنه كان يبتعد عن الجدل والنقاش، ولم يوجد مدرسة خاصة، وأقام في أثينا من غير أن يتعرف إلى أحد من فلاسفتها. وقد ذكر ديوگين ليرتيوس Diogenese Laertius (ديوگانس) ثبتاً طويلاً من كتبه في علوم الرياضة والطبيعة والفلك والملاحة، والجغرافية، والتشريح، ووظائف الأعضاء، وعلم النفس، والعلاج النفساني، والطب، والفلسفة، والموسيقى. ويسميه ثراسيلس Thrasyllus صاحب التمارين الخمسة في الفلسفة، ويطلق عليه بعض معاصريه اسم الحكمة (Sophia) نفسها. وقد بلغت معارفه من السعة والتعدد ما بلغته معارف أرسطوطاليس نفسه، ونال أسلوبه من الإعجاب ما ناله أفلاطون، ووصفه فرانسيس بيكون Francis Bacan في ساعة تخلى فيها عن عناده بأنه أعظم الفلاسفة الأقدمين على بكرة أبيهم.

وهو يبدأ كما يبدأ پارمنيدس ببحث تحليلي في الحواس فيقول إنه لا بأس علينا من الوثوق بها في الأغراض العملية، ولكننا لا نكاد نحلل ما تمدنا به من المعلومات حتى نجد أنفسنا ننتزع من العالم الخارجي طبقة بعد طبقة مما تضفيه عليه الحواس من اللون، والحرارة، والطعم، والنكهة، والحلاوة، والمرارة، والصوت. وهذه “الصفات الثانوية” كائنة فينا نحن أو في عملية الإدراك الكلية، لا في الشيء الموضوعي، وفي العالم الخالي من الآذان لا تحدث الغابة الساقطة صوتاً، ولا يكون لماء البحر مهما غضب هدير “والعرف (Nomos) هو الذي يجعل الحلو حلواً والمر مراً، والحار حاراً، والبارد بارداً، أما الحقيقة فهي أنه لا وجود إلا للجواهر الفردية (الذرات) والفراغ”(29). ومن ثم فإن الحواس لا تمدنا إلا بالمعلومات أو الآراء العامة، أما المعرفة الحقة فلا سبيل إليها إلا البحث والتفكير”. والواقع أننا لا نعرف شيئاً، فالحق مدفون على بعد منا عظيم… ولسنا نعرف شيئاً معرفة أكيدة، بل كل ما نعرفه هو ما يحدث في جسمنا من تغيرات بتأثير القوى التي تصطدم به”. وكل الأحاسيس ناشئة من الجواهر الفردية التي يقذف بها الجسم الخارجي فتقع على أعضاء الحواس، وليست الحواس كلها إلا أشكالاً من اللمس.

وتختلف الجواهر الفردية التي يتكون منها العالم في شكلها وحجمها ووزنها، وكلها تنزع إلى السقوط إلى أسفل، وتنتج من هذا حركة دائرية تتحد فيها الجواهر المتماثلة بعضها ببعض فتنتج من اتحادها الكواكب والنجوم. وهذه الجواهر لا يقودها فكر (Nous) أو ذكاء، ولا يرتبها “حب” أو “كراهية” كما يقول إمپدوكليس، بل إن الضرورة- أي الأثر الطبيعي للعلل الكامنة فيها هي التي تسيطر عليها جميعاً. وليس ثمة مصادفة، بل المصادفة خرافة اخترعت لتبرير جهلنا. وكمية المادة تبقى على حالها، لا يضاف إليها شيء جديد، ولا يفنى منها شيء، وكل الذي يحدث هو تغير في اتحاد الجواهر الفردية. لكن صور الأشياء مع هذا لا حصر لها، وحتى العوالم نفسها يوجد منها في أكبر الظن عدد “غير محدود”، وهي تنشأ وتزول في موكب لا نهاية له. وقد نشأت الكائنات العضوية في مبدأ أمرها من التراب المبلل، وكل شيء في الإنسان مصنوع من جواهر فردية، والروح نفسها مكونة من جواهر جد صغيرة ملساء مستديرة كجواهر النار، والعقل، والنفس، والحرارة الحيوية، والمبدأ الحيوي، كلها شي واحد، لا يختص بها الإنسان أو الحيوان بل هي منتشرة في العالم كله موزعة عليه، والجواهر الفردية العقلية الكائنة في الإنسان وغيره من الحيوانات التي بها نفكر في جميع أجزاء الجسم.

بيد أن هذه الجواهر الفردية الدقيقة التي تتكون منها النفس هي أكثر أجزاء الجسم نبلاً وأعظمها إثارة للدهشة. والرجل العاقل ينمي فكره، ويحرر نفسه من الانفعالات، والخرافات، والمخاوف، ويبحث بالتأمل والإدراك عن السعادة العقلية التي في متناول الحياة البشرية. والسعادة لا تنشأ من الطيبات الخارجية، بل ينبغي للإنسان أن يتعود على أن يجد في داخل نفسه مصادر متعته وسعادته”. والثقافة خير من الغنى…ولا تستطيع قوة أو ثروة أن ترجح اتساع دائرة العلم”. والسعادة تأتي متقطعة، و “اللذائذ المادية لا تشبع صاحبها إلا زمناً قصيراً”، لكن الإنسان ينال سروراً أدوم إذا حصل على سلام النفس وصفائها (أتاركسيا Ataraxia) وعلى البهجة (Euthumia). والاعتدال (Metriotes) قدر من النظام والتناسب في الحياة (Biou Symmetria). وفي وسعنا أن نتعلم الشيء الكثير من الحيوانات – “الغزل من العنكبوت، والبناء من العصفور، والغناء من العندليب والتَّمَّ” ، و “قوة الجسم لا تكون من أسباب النبل إلا في دواب النقل، أما قوة الخلق فهي سبب النبل في الإنسان”. وهكذا يفعل ديمقريطس ما فعله من بعده الضالون في إنگلترا في عصر الملكة ڤكتوريا فيقيم على ميتافيزيقاه الشائنة صرحاً من المبادئ الخلقية الخلابة الظاهرة. “والأعمال الحسية يجب أن تصدر عن عقيدة لا عن قسر، ويجب أن يفعلها الإنسان للرغبة فيها لا أملاً فيما يناله عليها من جزاء…” ومن واجب الإنسان أن يشعر بالعار أمام نفسه إذا فعل الشر أكثر مما يشعر به أمام العالم كله”. وقد أوضح حكمته، ولعله برر أيضاً نصائحه، بأن عاش حتى بلغ من السن مائة عام وتسعة أعوام، أو تسعين عاماً كما يقول بعضهم. ويروي ديوجين ليرتيوس أنه لما قرأ دبمقريطس على الجماهير أهم مؤلفاته كلها وصور كتاب العالم الأكبر Megas Diakosmos أهدت إليه مدينة أبدرا مائة وزنة (000ر600 ريال أمريكي)، ولكن لعل أبدرا كانت وقتئذ قد خفضت قيمة نقدها. ولما سأله بعضهم عن سر عمره الطويل أجاب بأنه كان يأكل عسل النحل في كل يوم وأنه كان يستحم بالزيت. ولما رأى آخر الأمر أنه قد عاش من العمر ما يشتهي أخذ يقلل من طعامه يوماً عن يوم يريد بذلك أن يميت نفسه جوعاً شيئاً فشيئاً، ويقول ديوجين “إنه بلغ أرذل العمر وإنه خيل إلى الناس أنه يحتضر. وحزنت أخته لأنه سيموت في أثناء عيدتسموفوريا Thesmophoria فيحول موته دون قيامها بما يجب عليها نحو الإلهة، فما كان منه إلا أن أمرها بأن تخفف من لوعتها، وأن تأتيه كل يوم ببضعة أرغفة من الخبز الساخن (أو بقليل من عسل النحل. وأخذ يضع هذا الطعام فوق منخريه، واستطاع بذلك أن يطيل حياته خلال أيام العيد. فلما أن انقضت ثلاثة أيام العيد لفظ آخر أنفاسه دون أي ألم، كما يؤكد لنا هباركس وذلك بعد أن عاش مائة عام وتسعة أعوام”.

واحتفلت مدينته بجنازته احتفالاً عاماً، وأثنى عليه تيمن الأثيني Timon of Athens. ولم ينشئ دمقريطس مدرسة خاصة، ولكنه صاغ أهم فرض من الفروض العلمية وأوجد للفلسفة نظاماً بقي بعد أن عفا الزمان على غيره من النظم التي ظلت تندد به، ولا يزال يظهر في العالم جيلاً بعد جيل.

النقد والبدائل

الاعتراضات العلمية للمادية

ادعت الفلسفة المادية ، في البداية، أن المادي هو ما تدركه الحواس، وأن ما لا تدركه غير مادي وبالتالي غير موجود ولكن الذرات وجزيئاتها لا تُدرَك بالحواس ، وبعضها لا كتلة له ، وحركة الذرة لا تتبع نمطاً محدداً ، والثقوب السوداء تحطم قوانين الزمان والمكان . ومن ثم، أعيد تعريف المادي بأنه كل شيء يوجد وجوداً موضوعياً ، أي إنه الشيء الذي لا يعتمد في وجوده على عقلنا أو وعينا به ( وبهذا المعنى ، فإن الفلسفة المادية لا يمكنها أن تستبعد العناصر الغير مادية إن تجلت موضوعياً في واقعنا )، وهو ما يعود بنا إلى نقطة البداية .

مسألة أزلية المادة أصبحت مسألة مشكوكاً فيها علميًّا . فالمادة تتحول إلى طاقة والطاقة تتحول إلى مادة . وقابليتها للتحول تعنى أن بقاءها في هيئتها المعَّينة كان معتمداً على ظروف خارجة عن ذاتها ، فلما زالت تلك الظروف زالت تلك الهيئة.إذن ، فهي ليست معتمدة في وجودها على نفسها ومن ثم تستحيل أن تكون آلية. وكل ما يتحلل ويتحول فليس بأزلي غير حادث بل هو بالضرورة حادث .فما المادة الأزلية إذن؟ أنها المادة التي لا خصائص لها ولا صفات. وهى مادة لا توجد إلا في الأذهان ، فهي مقولة فلسفية يرى أصحابها أن لها مقدرة تفسيرية عالية.

تدعي الفلسفة المادية أنها ليست أيديولوجية وإنما علم طبيعي ، وهذا يفترض أن الفلسفة المادية قد قامت بحصر كل المتغَّيرات المادية والموضوعية ورصدها في علاقاتها المتشعبة وأثبتت صحة مقولاتها. وهو أمر مستحيل علميًّا.

كما أن الواجب العلمي يتطلب ، بعد حصر كل المتغيرات والعناصر والأسباب وعلاقتها بعضها ببعض، إقرار غلبة عنصر ما على العناصر الأخرى وإعطاءه أسبقية سببية ،على أن تتم هذه العملية كل مرة ، وهذا أمر مستحيل من الناحية العلمية .ولذا فإن ما يحدث في واقع الأمر ، هو أن الفلسفة المادية تواجه الواقع مسلحة بميتافيزيقا مادية غير واعية ، فهي واعية أو تؤمن بوجود كليات وتعميمات تستند إلى الإيمان بوجود كل مادي ثابت متجاوز للأجزاء له هدف وغاية ، وبوجود عقل إنساني قادر على رصد كل هذا. وهى أطروحات نبيلة،ولكنها ميتافيزيقية. فالثبات والتجاوز والهدف ليس من صفات المادة ، ومقدرات العقل على التعميم والتجاوز من الصعب تفسيرها ماديًا. وهذا ما أدركه نيتشه من البداية، حين بَّين ان الأنطولوجيا الغربية، حتى بعد موت الإله ، أي بعد ظهور العقلانية المادية، احتفظت بظلال الإله على هيئة هذا الإيمان بالكل المادي الثابت المتجاوز ذي الهدف، وحين نادى بإزالة ظلال الإله تماماً والتخلي عن الميتافيزيقا ، التي تعني التخلي عن البحث عن الحقيقة ذاتها ، فالحقيقة تستدعى الثبات والكلية ، وعالماً متجاوزاً لعالمنا المادي، عالم الصيرورة المادية الدائمة والحلول والكمون الكامل. وبعد أن انطلقت الفلسفات المادية من إيمانها الراسخ هذا ، فإنها تعطي أولوية سببية للعناصر المادية (قوانين الحركة). وفى حالة الإنسان ، تترجم السببية المادية الصلبة المطلقة نفسها إلي تفسير ظاهرة الإنسان في أطار عنصر مادي واحد (ماركس والعنصر الاقتصادي، فوريد والعنصر الجنسي … إلخ). وغنى عن القول أن من يقوم بالتجريب والرصد ، في الإطار المادي، لا يعيد اختبار مقولاته كل مرة . ولذا فهو يفترض صدقها بشكل دائم ومما يجدر ذكره أن الحقيقة العملية تقريبية.

العلم التجريبي محدود ولا يستطيع أن يتعامل مع كل أنواع الخبرات وجوانبها، والطريقة التجريبية ذاتها تقريبية، وهى نتائج تنطبق في المتوسط أي على المجموعات الكبيرة ، وليس على كل مفردة بذاتها.

Liked it? Take a second to support {Axis Talks} on Patreon!
الوسوم

Axistalk

مجلة إلكترونية تنويرية ومساحة للرأي الحر، نهتم بالقضايا العربية ومقارنة الأديان ومناقشة الفلسفة والعلوم والحركات الفكرية. كما نهتم بمشاركة آخر الأخبار والكتب التراثية والأفلام الوثائقية ذات الصلة بمنهجنا وأهدافنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق