علومفلسفة

التجريب العقلي

جاء في (معجم روبير) بأن النظرية “هي مجموعة من الأفكار والمفاهيم المجردة المنظمة قليلا أو كثيرا، والمطبقة على ميدان مخصوص” . وفي معنى ثان النظرية “بناء عقلي منظم ذو طابع فرضي تركيبي”. كما جاء في المعجم الفلسفي (لاندري لالاند) بأن النظرية “هي إنشاء تأملي للفكر يربط نتائج بالمبادئ” .

معنى التجريب العقلي بصورة عامة أن يقوم الإنسان في داخل عقله بكل الفروض والتحقيقات والبراهين التي لا يتيسر له أن يقوم بها في الواقع. فكل مفكر وكذلك كل عالم قبل أن يقوم بعمل جديد يتصور كل ما يريد عمله وكل ما يحتاج إلية من عناصر وكيفية تحقيق ما يريد، وتوقع نتيجة ذلك .

استخدامات التجريب العقلي:

أولاً : من ناحية الاقتصاد. ذلك لأن القيام بهذا التجريب في داخل الذهن لا يكلف المرء شيئأ من الناحية المادية فلا يحتاج لمواد ولا عمل وجهد إلا العمل الفكري، ولا يكون مثل التجريب الواقعي المادي الذي يحتاج إلى زمن طويل، وبالتالي الاقتصاد في الوقت والجهد والمواد والنفقات .

ثانياً : هذا التجريب العقلي قد يسمح بفرض فروض جريئة قد لا نتجه إلى اتخاذها لو أننا بإزاء تجريب واقعي، ومن الممكن أن تتحقق هذه الفروض بالفعل، لأن الحرية الميسرة للعقل في هذه الحالة أكبر منها في حالة التجريب الفعلي الذي كثيراً ما يشتت الذهن ويصرفه عن الإدراك الحقيقي للنسب العامة التي هي الأصل في كل نظرية مما يولد من جديد فروضاً خصبة تؤدي إلى اكتشاف نتائج أهم وأحسن .

على سبيل المثال، ما فعله كثير من العلماء وعلى رأسهم “جاليلو” ، وبشكل خاص “اينشتاين” . لقد استطاع كل منهم الوصول لأفكار ونظريات وقوانين بالاعتماد بصورة أساسية على التجريب العقلي . وقد قال “ديكارت” : “على العموم إنني أستطيع أن أستغني عن إجراء أي تجربة واقعية لأنني أستطيع أن أركّب في ذهني كل العمليات الممكنة وحتى غير الممكنة” .

وهناك التجريب الفكري والحسي الاستباقي لرحلة أو لمقابلة أو زيارة، إلخ….  فالتجريب الفكري أوسع وأشمل من كل هذا، فهو قائم وفق آلية عمل الدماغ والجهاز العصبي، فالعقل أو الدماغ تعرف على الوجود عن طريق تمثيله بأفكار ( أي بنيات فكرية ) , وصار عن طريق تحريك ( أو اللعب ) بهذه الأفكار ( أو التجريب الفكري ) يسعى لفهم ومعرفة هذا الوجود، والاستدلال والتنبؤ لما سيحدث  أو لما حدث . عن طريق قيامه بالتحليل أو التركيب، اللذين يمكن اعتبارهم شكل من التجريب .

والتجريب الفكري الذي تصوره “ماخ” و “رنيانو” هو حالة خاصة متطورة من التحريك الفكري الذي يقوم به عقلنا في تعامله مع الوجود . فالتحريك الفكري هو الأساس الذي نقوم به في كافة عملياتنا الفكرية مها كان شكلها ونوعها ودرجة تعقيدها .

إن غالبية تصرفاتنا الإرادية الواعية لا نقوم بها إلا بعد إجراء التجريب الفكري ومن ثم اعتماد التصرفات التي نراها الأفضل . صحيح أننا نقوم بتصرفات فوراً ودون تجريب فكري إذا كانت الأوضاع متكررة طبقاً لوظيفة كل جزء من الدماغ فهذا لأننا نكون تعلمنا ولم نعد بحاجة لدراسة الوضع والقيام بالتجريب الفكري . فالتجريب الفكري لا بد منه في كل تصرف جديد وفي كل تجديد وإبداع واختراع .

 

الفرق بين التجريب الفكري والتحريك الفكري:

إن التحريك الفكري هو أساس آليات عمل الدماغ ، التي بواسطتها يقوم بالتعامل مع الواقع باعتماد الاستجابات المناسبة لتحقيق تكيف وتطور الإنسان . وكذلك التحريك الفكري هو أساس التفكير الواعي، أكان يعتمد على اللغة أم لا يعتمد عليها .

أما التجريب الفكري فهو شكل متطور للتحريك الفكري الإرادي الوعي، وهم يعتمد على القياس والمقارنة والتحليل و التركيب، وعلى المعلومات المتوفرة التي يتم استدعاؤها من الذاكرة .

والشكل المتطور والمتقدم من التجريب الفكري هو ما يبدعه المفكرين والعلماء والأدباء والفنانين من أفكار وأعمال وقصص وروايات وأعمال أدبية وفنية .

وهكذا نرى أن “رنيانو” قد أصاب عندما قال : “أن التجريب الفكري يستخدم في كافة أشكال التفكير أكانت براهين أو غير ذلك .

اللعب الفكري والتجريب الفكري” .

إن كل لعب يمكن اعتباره شكل من التجريب، فاللعب الفكري هو نوع من التجريب الفكري، ونحن نستخدمه بشكل غريزي ونعتمد عليه بشكل كبير في طفولتنا، إن ألعابنا الواقعية لا يمكن لعبها دون الألعاب الفكرية فالألعاب الواقعية تعتمد بالأساس على الألعاب الفكرية، وعندما تكون الألعاب الفكرية المستخدمة محدودة وغير متطورة تكون هذه الألعاب ضعيفة وغير فعَالة في تحقيق الأهداف . صحيح أن اللعب و المران العملي يحسن الأداء في اللعب إلا أن تطوير الألعاب الواقعية بواسطة الألعاب الفكرية يكون أوسع و أسرع بكثير، فمخزون المعارف أو الأفكار الجماعية – العلم و غيره – هائل و يمكن أن يساعد في كل الألعاب.

وكافة الإبداعات والاختراعات في كافة المجالات تعتمد بشكل أساسي الألعاب الفكرية، ويلزمها الكثير من القدرات والمهارات والعناصر، ولا يستطيع الكثيرون لعبها حتى وإن كانوا يملكون المعارف والمعلومات الكثيرة، فلكي يستطيع الإنسان أن يبدع يجب أن يملك بالإضافة إلى المعارف خصائص وقدرات معينة، وعليه أن يجتاز الكثير من العقبات .

 

لقد قام العقل من أجل التعامل المجدي مع الواقع وفهمه، باعتماد ما يلي

تمثيل أشياء وعناصر الوجود وصيرورتها، بنوعين من الهويات أو المفاهيم الثابتة المحددة .

  1. مفاهيم تدل على الأشياء وتحدد هويتها وخصائصها.
  2. مفاهيم تدل على حركة أو تغيرات أو صيرورة الأشياء، أي المفاهيم التحريكية.
  • تثبيت المفهوم هو منعه من التغير والحركة والصيرورة، وهذا هو أساس مبدأ الهوية الذي هو : ( أ ) تبقي هي ( أ ) .
  • تحديد المفهوم ( أو البنية الفكرية ) هو فصله عن غيره من المفاهيم وتحديده .
  • تعيين المفهوم هو تعيين صفاته وتأثيراته، فعدم تعيين خصائصه و تأثيراته هو عدم تعيينه، مثال على ذلك : الإلكترون تعيّن صفاته و تأثيره بالنسبة للبروتون أو بالنسبة لمجال كهربائي أو مغناطيسي أو بالنسبة للجاذبية . فلابد من تعيين صفات وتأثيرات الشيء إذا أردنا تعيينه . وصفات وتأثيرات أي شيء لا يمكن أن تعين بشكل مطلق، فصفات وتأثيرات أي شيء تابع للبنية أو البنيات التي يؤثر فيها .

التجربة والتجريب:

ما هو دور التجريب في بناء النظرية؟ وهل يعتبر التجريب في معناه التقليدي المقوم الوحيد في تفسير الظواهر الطبيعية أم أن لعنصر الخيال العقلي دور في ذلك؟ 

1- موقف “كلود برنار” : 

يرى كلود برنار، أن إحاطة العالم بمبادئ المنهج التجريبي، التي من شأنها أن تجعله يصل إلى الحقيقة العلمية، تتطلب منه الالتزام بشرطين أساسيين:

  1. الأول يتمثل في توفره على فكرة يعمل على فحصها انطلاقا من وقائع صحيحة ومنظمة،
  2. أما الثاني فيتمثل في ضرورة استخدام العالم كل الأدوات التي من شأنها أن تمكنه من ملاحظة الظاهرة المدروسة ملاحظة كاملة وشاملة .

يرى كلود برنار أنه على العالم الملاحظ للظواهر أن ينقل بدقة ما هو موجود في الطبيعة، إن عليه أن ينصت إلى الطبيعة، وأن يسجل ما تمليه عليه. من هنا تأتي الملاحظة في بداية المنهج التجريبي، ثم تتلوها الفكرة العقلية التي تسعى إلى تفسير الظاهرة، وبعد ذلك يتم التأكد من الفرضية المفسرة عن طريق التجربة العلمية التي تعتبر معيارا للتحقق من صحة الفرضية أو عدم صحتها .

انطلاقا من كل هذا يحدد كلود برنار خطوات المنهج التجريبي التي تجمع بين الفكر النظري والممارسة التجريبية، حيث تأتي الملاحظة في بداية هذا المنهج لكي تتبعها فكرة عقلية منبثقة عنها، هذه الفكرة التي يتم الاستدلال عليها انطلاقا من التجربة .

موقف “اينشتاين” : 

يؤكد اينشتاين على أن النسق النظري للعلم المعاصر يتكون من مفاهيم ومبادئ هي إبداعات حرة للعقل البشري. من هنا فالنظرية العلمية تبنى بناءا عقليا خالصا، أما المعطيات التجريبية فهي مطالبة بأن تكون مطابقة للقضايا الناتجة عن النظرية وتابعة لها .

يعتبر اينشتاين أن العقل العلمي “الأكسيومي” بكل ما يتميز به من رمز وتجريد، كفيل بإنشاء النظرية العلمية، كما يؤكد على الدور الذي أصبح يلعبه العقل الرياضي في الكشف عن النظريات العلمية ابتداءا ودون أية تجارب سابقة. فالبناء الرياضي الخالص يمكننا من اكتشاف المفاهيم والقوانين التي تعتبر مفتاحا لفهم الظواهر الطبيعية. وهذا ما يجعل العقل الرياضي هو المبدأ الخلاق في العلم، كما يجعل من العقلانية العلمية المعاصرة عقلانية مبدعة .

موقف “بيير تويليي” :

إذا كان “بيير دوهايم” ، وهو أحد أنصار النزعة التجريبية الوضعية، يرى بأن غاية النظرية الفيزيائية هو أن تمثل تماما، وبصورة صحيحة، مجموعة من القوانين التجريبية، بحيث يشكل الاتفاق مع التجربة بالنسبة للنظرية الفيزيائية المعيار الوحيد للحقيقة، فإن “بيير تويليي” يقول بمعيار تعدد الاختبارات كشرط أساسي للقول بعلمية نظرية ما. هكذا لا يمثل في نظره معيار القابلية للتحقق التجريبي المعيار الوحيد والنهائي لعلمية وصلاحية نظرية ما، بل لا بد من خروج النظرية من عزلتها التجريبية بإضافة فروض جديدة ترسم للموضوع الملموس، الذي يعتبر مرجع النظرية، نموذجه النظري المنسجم مع النظرية في كليتها. إن أية تجربة علمية لا تتم بدون مساعدة نظريات أخرى، كما أنه لا توجد تجربة حاسمة، إذ تظل نتائج التحقق التجريبي جزئية وقابلة دائما للمراجعة. لذلك فمعيار علمية النظرية يكمن من جهة في إخضاع النظرية لاختبارات تجريبية متعددة، والعمل على المقارنة بينها، كما يكمن هذا المعيار من جهة أخرى في اختبارات التماسك المنطقي للنظرية ومقارنتها بنظريات علمية أخرى .

 

Liked it? Take a second to support {Axis Talks} on Patreon!
الوسوم

Axistalk

مجلة إلكترونية تنويرية ومساحة للرأي الحر، نهتم بالقضايا العربية ومقارنة الأديان ومناقشة الفلسفة والعلوم والحركات الفكرية. كما نهتم بمشاركة آخر الأخبار والكتب التراثية والأفلام الوثائقية ذات الصلة بمنهجنا وأهدافنا.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق